ابن رشد

170

تهافت التهافت

فيشتركان في الصفة النوعية ، وإما بالنوع ، فيشتركان في الصفة الجنسية ، وكلا المغايرتين إنما توجد للمركبات . ونقصان هذا عن البرهان إنه قد تبين أن هاهنا موجودات تتغاير وهي بسائط لا تغاير النوع ، ولا تغاير الأشخاص ، وهي العقول المفارقة ، لكن تبين من أمرهم أنه يجب أن يكون فيها المتأخر في الوجود ، والمتقدم ، وإلا لم يعقل هنالك تغاير أصلا . وبرهان ابن سينا يتم على هذا الوجه : واجب الوجود إن كان اثنين فلا يخلو أن تكون المغايرة التي بينهما بالعدد ، أو بالنوع ، أو بالتقديم والتأخير ، فإن كانت المغايرة التي بينهما بالعدد كانا متفقين بالنوع ، وإن كان التغاير بالنوع كانا متفقين بالجنس ، وعلى هذين النوعين يلزم أن يكون واجب الوجود واحدا وهو لعلة لجميعها ، وهذا هو الصحيح . فواجب الوجود إذا واحدا ، إذ لم يكن هاهنا غير هذا الثلاثة الأقسام ، بطل منها الاثنان وصح القسم الذي يوجب انفراد واجب الوجود بالوحدانية . مسلكهم الثاني : إن قالوا : لو فرضنا واجبي الوجود لكانا متماثلين من كل وجه أو مختلفين ، فإن كانا متماثلين من كل وجه فلا يعقل التعدد والاثنينية إذ السوادان هما اثنان إذا كانا في محلين أو في محل واحد ولكن في وقتين إذا السواد والحركة في كل واحد في وقت واحد هما اثنان لاختلاف ذاتيهما ، وإما إذا لم يختلف الذاتان كالسوادين مع اتحاد الزمان والمكان لم يعقل التعدد ولو جاز أن يقال في وقت واحد في محل واحد سوادان لجاز أن يقال في حق كل شخص أنه شخصان ، ولكن ليس يبين بينهما مغايرة . وإذا استحال التماثل من كل وجه ولا بد من الاختلاف ولم يمكن بالزمان ولا بالمكان فلم يبق إلا الاختلاف في الذات ، ومهما اختلفا في شيء فلا يخلو أما إن اشتركا في شيء أو لا يشتركا في شيء فإن لم يشتركا في شيء . فهو محال إذ يلزم ألا يشتركا في الوجود ولا في وجوب الوجود ولا في كون كل واحد قائما بنفسه لا في موضوع وإذا اشتركا في شيء واختلفا في شيء كان ما فيه الاشتراك غير ما فيه الاختلاف فيكون ، ثم تركيب وانقسام بالقول . وواجب الوجود لا تركيب فيه ، وكما لا ينقسم بالكمية فلا ينقسم أيضا بالقول الشارح إذ لا يتركب ذاته من أمور يدل القول الشارح على تعددها كدلالة الحيوان والناطق على ما تقوم به ماهية الإنسان فإنه حيوان وناطق ، ومدلول لفظ الحيوان من الإنسان غير مدلول لفظ الناطق ، فيكون الإنسان مركبا من أجزاء تنتظم في الحد بألفاظ تدل على تلك الأجزاء ويكون اسم الإنسان لمجموعة وهذا لا يتصور ودون هذا لا تتصور التثنية . والجواب أنه مسلم ، أنه لا تتصور التثنية إلا بالمغايرة في شيء ما ، وأن المتماثلين من